صديق الحسيني القنوجي البخاري

567

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والشياطين ونحوها ، وهذا العموم المستفاد من ما الموصولة ، فإنها عبارة عن المعبودين لا عن العابدين كما قيل : مخصوص ، لأن من طوائف الكفار من عبد المسيح ، ومنهم من عبد الملائكة ، فيخرجون بقوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [ الأنبياء : 101 ] ووجه حشر الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل هو زيادة التبكيت لعابديها ، وتخجيلهم وإظهار أنها لا تنفع ولا تضر ، وقيل : الموصول عبارة عن المشركين خاصة جيء به لتعليل الحكم بما في حيز صلته ، فلا عموم ولا تخصيص . فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي عرفوا هؤلاء المحشورين طريق النار وسوقوهم إليها ، يقال : هديته الطريق وهديته إليها أي دللته عليها ، وفي هذا تهكم بهم وقال ابن عباس : وجهوهم ودلوهم إلى طريق النار . وَقِفُوهُمْ أي احبسوهم في الموقف ، يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا يتعدى ولا يتعدى ، وهذا الحبس لهم يكون قبل السوق إلى جهنم أي وقفوهم للحساب ، ثم سوقوهم إلى النار بعد ذلك ، كأن الملائكة سارعوا إلى ما أمروا به من حشرهم إلى الجحيم فأمروا بذلك . إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ تعليل للجملة الأولى أي ذلك ليس للعفو عنهم ، ولا ليستريحوا بتأخير العذاب في الجملة ، بل ليسألوا لكن لا عن عقائدهم ، وأعمالهم ، كما قيل ، فإن ذلك قد وقع قبل الأمر بهم إلى الجحيم ، بل عما ينطق به قوله الآتي : ما لكم بطريق التهكم والتوبيخ . قال الكلبي : أي مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم أي جميعها ، وقال الضحاك : عن خطاياهم ، وقيل : عن لا إله إلا اللّه . وقيل : عن ظلم العباد ، وقال ابن عباس : احبسوهم إنهم محبوسون . وأخرج البخاري في تاريخه والدارمي والترمذي وابن جرير والحاكم وغيرهم عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا معه يوم القيامة لازما به لا يفارقه ، وإن دعا رجل رجلا ، ثم قرأ : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ » « 1 » . وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه وعن علمه ماذا عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه وفي رواية عن شبابه فيم أبلاه » « 2 » ، وأخرجه الترمذي . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 25 إلى 35 ] ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 ) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 ) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ( 33 ) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 34 ) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 )

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 37 ، باب 1 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 1 .